الحياة جميلة فاسعى لجمالها

الكل يعرف معنى الكفاح من أجل الحياة. فالحياة جميلة و ما نيل نعيمها أو حتى أبسط حقوقها بالهين. فهي تقتضي العزيمة القوية والصبر المتين و العناد المستميت ومعرفة بمكامن الجمال فيها و المخاطر المحدقة بالطامح المتنور العادل فيها. فنيل المكاسب إنما صعود. و ما الصعود بالأمر السهل. و الحقوق ماهي بالولادة وماهي حق مضمون. فعلى عكس ذلك هي نظرية فكر, يجوز ويجري في إطارها هامش المناورة. عبر العالم تسمع أصواتا صادعة منادية بالإلتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ومن جهة أخرى, ترى الأموات يسقطون بالآلاف جراء الخروقات واستهداف الأبرياء و الفتك الكيماوي بالمدنيين. من جهة ترى الدول توقع إلتزامات باحترام القوانين الدولية. ومن جهة أخرى تجدها تلتف من حولها و تتلاعب بها إن تعارضت هذه الحقوق مع مصالحها و مصالح نخبها. من جهة ترى المحاكم الدولية توجه سهام تهمها ضد القتلة ومرتكبي الإبادات و من جهة أخرى تراها تسحب تهمها و تبرأ ,مستدلة بعدم توافر الأدلة!

فالأغلبية في العالم الثالث تطمح إلى حق الحياة و الكرامة. لكنها إن طمحت فحركتها ستكون في شكل صعود, و هذا يعني مجهودا أعظم و تضحية أعمق و استثمارا أوسع للطاقات و القدرات المحدودة أصلا.

وإن استحضرت المخاطر المحدقة بالنشطاء الطامحين خيرا, فسترى الترسانة المعادية تعبئ كل طاقاتها و تنشر كل آلياتها للنيل من أولئك الذين استبشروا خيرا لأوطانهم و شعوبهم و سترى آنذاك بعد إغتيال الحب أن الأمر ما هو كما يبدو لك أو كما بدا لك في أول الأمر أو في مرحلة ما قبل الإغتيال.

فالسعي إلى الكرامة هجرة في و إلى المجهول, فيها و بها تتعلم, بعد سنين عديدة وطويلة, أن الأشياء بأضدادها وأن ما تراه خدعة حقا وأن تكلفة الطموح إلى الحرية و الإنعتاق عالية باهضة غالية وأن من يسير في دربها طيب شديد وأن روحه تسمو إلى السماء في كل لحظة و حين وأن مسعى هذه الروح الجميلة الطيبة المتعالية تنشد الخير للجميع دون تمييز على أساس العرق, أو الدين, أو الإنتماء القومي, أو الجنس. لكنها ليست روحا مثالية كما قد يظن البعض من أهل العقول المحدودة المسرعة إلى التبسيط وإصدار الأحكام المغرضة.

فالحياة الكريمة لا ترتبط بالضرورة برغد العيش ولا بالمساكن الواسعة المجهزة بكل ما تشتهيه الأنفس. بل الحياة حالة نفسية داخل إطار النزوع الفردي, تصعد إليها لزاما, تستثمر من أجلها ما توفر لك من بضعة أفكار, و تنشر لبشرى مجيئها ما استطعت من قوة الحب و الهوى, وتجول و تصول في دروب عشقها الليالي و الأنهر الطوالا, و تدرف الدموع الغزيرة لها في وحشتك, تبكي غيابها و تعاتبها, في غربتك, لماذا لم توفر عتادها لتنقذ الطفل المتوفى,ولماذا لم تعالج الكهول المرضى و الجرحى. ثم رغم نشوزها وعتابها تعود فتعانقها وتحتضنها وترعاها بكل ما أوتيت من قوة الهوى و حب الخيرلكل كائن, ولو في الأحلام.